محمد بن جرير الطبري
89
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أي تصنعون أصناما . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً الأوثان التي ينحتونها بأيديهم . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : وتصنعون كذبا . وقد بينا معنى الخلق فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . فتأويل الكلام إذن : إنما تعبدون من دون الله أوثانا ، وتصنعون كذبا وباطلا . وإنما في قوله إِفْكاً مردود على إنما ، كقول القائل : إنما تفعلون كذا ، وإنما تفعلون كذا . وقرأ جميع قراء الأمصار : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً بتخفيف الخاء من قوله : وَتَخْلُقُونَ وضم اللام : من الخلق . وذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً بفتح الخاء وتشديد اللام من التخليق . والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً يقول جل ثناؤه : إن أوثانكم التي تعبدونها ، لا تقدر أن ترزقكم شيئا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ يقول : فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم ، تدركوا ما تبتغون من ذلك وَاعْبُدُوهُ يقول : وذلوا له وَاشْكُرُوا لَهُ على رزقه إياكم ، ونعمه التي أنعمها عليكم . يقال : شكرته ، وشكرت له أفصع من شكرته . وقوله : إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يقول : إلى الله تردون من بعد مماتكم ، فيسألكم عما أنتم عليه من عبادتكم غيره وأنتم عباده وخلقه ، وفي نعمه تتقلبون ، ورزقه تأكلون . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ يقول تعالى ذكره : وإن تكذبوا أيها الناس رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما دعاكم إليه من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم ، والبراءة من الأوثان ، فقد كذبت جماعات من قبلكم رسلها فيما دعتهم إليه الرسل من الحق ، فحل بها من الله سخطه ، ونزل بها منه عاجل عقوبته ، فسبيلكم سبيلها فيما هو نازل بكم بتكذيبكم إياه . وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ يقول : وما على محمد إلا أن يبلغكم عن الله رسالته ، ويؤدي إليكم ما أمره بأدائه إليكم ربه . ويعني بالبلاغ المبين : الذي يبين لمن سمعه ما يراد به ، ويفهم به ما يعني به . القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . . . سِيرُوا يقول تعالى ذكره : أو لم يروا كيف يستأنف الله خلق الأشياء طفلا صغيرا ، ثم غلاما يافعا ، ثم رجلا مجتمعا ، ثم كهلا . يقال منه : أبدأ وأعاد ، وبدأ وعاد ، لغتان بمعنى واحد . وقوله : ثُمَّ يُعِيدُهُ يقول : ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه ، كما بدأه أول مرة خلقا جديدا ، لا يتعذر عليه ذلك . إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ سهل كما كان يسيرا عليه إبداؤه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بالبعث بعد الموت . وقوله قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات ، الجاحدين الثواب والعقاب : سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها ؛ وكما أوجدها وأحدثها ابتداء ، فلم يتعذر عليه إحداثها مبدئا ، فكذلك لا يتعذر عليه إنشاؤها معيدا ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ يقول : ثم الله يبدئ تلك البدأة الآخرة بعد الفناء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا